الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
185
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أخوكم ومولى خيركم وحليفكم * ومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا يعني نفسه يخاطب مواليه بني الحسحاس . وقال تعالى في الآية الأخرى وَإِخْوانُ لُوطٍ [ ق : 13 ] . وهذا من إطلاق الأخوّة على ملازمة الشيء وممارسته كما قال : أخور الحرب لباسا إليها جلالها * إذا عدموا زادا فإنك عاقر وقوله تعالى : إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ [ الإسراء : 27 ] . [ 165 ، 166 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 165 إلى 166 ] أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ ( 165 ) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ ( 166 ) هو في الاستئناف كقوله أَ تُتْرَكُونَ [ الشعراء : 146 ] في قصة ثمود . والإتيان : كناية . والذكران : جمع ذكر وهو ضد الأنثى . وقوله : مِنَ الْعالَمِينَ الأظهر فيه أنه في موضع الحال من الواو في أَ تَأْتُونَ . و مِنَ فصلية ، أي تفيد معنى الفصل بين متخالفين بحيث لا يماثل أحدهما الآخر . فالمعنى : مفصولين من العالمين لا يماثلكم في ذلك صنف من العالمين . وهذا المعنى جوزه في « الكشاف » ثانيا وهو أوفق بمعنى : الْعالَمِينَ الذي المختار فيه أنه جمع ( عالم ) بمعنى النوع من المخلوقات كما تقدم في سورة الفاتحة . وإثبات معنى الفصل لحرف مِنَ قاله ابن مالك ، ومثّل بقوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [ البقرة : 220 ] ، وقوله : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [ الأنفال : 37 ] . ونظر فيه ابن هشام في « مغني اللبيب » وهو معنى رشيق متوسط بين معنى الابتداء ومعنى البدلية وليس أحدهما . وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ في سورة البقرة [ 220 ] . والمعنى : أتأتون الذكران مخالفين جميع العالمين من الأنواع التي فيها ذكور وإناث فإنها لا يوجد فيها ما يأتي الذكور . فهذا تنبيه على أن هذا الفعل الفظيع مخالف للفطرة لا يقع من الحيوان العجم فهو عمل ابتدعوه ما فعله غيرهم ، ونحوه قوله تعالى في الآية الأخرى إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ [ العنكبوت : 28 ] . والمراد بالأزواج : الإناث من نوع ، وإطلاق اسم الأزواج عليهن مجاز مرسل بعلاقة الأول ، ففي هذا المجاز تعريض بأنه يرجو ارعواءهم .